إظهار / إخفاء الإعلانات 
منتديات دعاة الحرمين
عدد الضغطات : 1,311 راسل المدير || محب الخير ||
عدد الضغطات : 125 راسل المدير || محب الخير ||
عدد الضغطات : 85 راسل المدير || محب الخير ||
عدد الضغطات : 1
عدد الضغطات : 1,476 راسل المدير || محب الخير ||
عدد الضغطات : 0

العودة   منتدى سعادة القلوب - قلوب تبحث عن السعادة > منتديات قطوف دانيه > الذكـر الحكيـم◦◦


الذكـر الحكيـم◦◦ ●° علوم القرآن والنفسير وأسباب النزول ◦◦°●

السجع في القرآن الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته السجع في القرآن الكريم يعد السجع من مميزات البلاغة الفطرية ، فهو يجري على ألسنة

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-10-2013, 04:03 PM   #1
الشيهانه
الأعضاء الإداريين
استغفر الله


الصورة الرمزية الشيهانه
الشيهانه غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 34
 تاريخ التسجيل :  Apr 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (01:33 AM)
 المشاركات : 3,259 [ + ]
 التقييم :  224
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
سبحآن الله وبحمدهـ ..
|| أجمل منتدى سعادة القلوب ||
 اوسمتي
وسام الإستعداد لشهر رمضان وسآم الشرف والوفاء وسآم المراقبة المخلصة 
لوني المفضل : Plum
افتراضي السجع في القرآن الكريم





السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



السجع في القرآن الكريم



يعد السجع من مميزات البلاغة الفطرية ، فهو يجري على ألسنة البشر في أكثر اللغات ، بصورة فطرية ، ومضطردة ، في أمثالهم ، وحكمهم ، وخطبهم ، لما فيه من موسيقا رائعة ، لا ينكر دورها في التأثير على العقول والقلوب .

بل هو علامة من علامات رقة الأسلوب ونصاعته ، ورونقه وجزا لته ، وكلما كانت الألفاظ المسجوعة ذات رقة ورنين ، ومعني كريم ، وأناقة وحسن ترنيم ، فإن النفس الإنسانية تشتاق إلى سماعها ، والأذن ترتاح إلى إيقاعها .


المفهوم اللغوي للسجع :
يقول ابن منظور : سَجَعَ يَسجَع‘ سَجـعًا : استوى واستقام ، وأشبه بعضه بعضا . والسجع : الكلام المقفى ، والجمع‘ أسجاعٌ وأساجيع .. وسَجَّعَ تَسـجيعًا : تكلم بكلام له فواصل‘ كفواصل الشعر من غير وزن (1) .
وقال ابن دريد : السجع : هو موالاة الكلام على روي واحد .. وسجعت الحمامة إذا رددت صوتها (2) على وجه واحد ، وكذلك سجعت الناقة في حنينها (3) ، ومدت حنينها على جهة واحدة .. وفى المثل : لا آتيك ما سَجَع الحمام‘ . يريد الأَبَدَ (4) .
أما السجع في الاصطلاح :
فقـد عـرّفـه البـلاغيـون فقالوا : " هـو أن تتـواطأ الفـاصلتان في النـثر على حرف واحد " (5) . وبمعنى أوضح : هو توافق الفاصلتين في الحرف الأخير في الكلام المنثور . وهو يعد في النثر كالقافية في الشعر .
وأصل السجع الاعتدال في مقاطع الكلام مما تميل إليه النفس ، ويستسيغه السمع ، وليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط ، ولاعند توافق الفواصل على حرف واحد ، فلو كان الأمر كذلك لغدا جميع الأدباء يكتبون سجعًا (6) . وإنما ينبغي ان تكون السجعة غير قلقة ، و لا نافرة في موضعها ، فلا تساق لأجل أن تؤثر عن طريقها وحدها على النفوس ،
ويوحي من وراء التعبير بها بالمعنى المراد . وأن تكون ألفاظها رقيقة عذبة ،لا ركيكة ولا متكلفـة ، بعيدة عـن الغثاثة والـبرودة ، وأن يكون اللفظ فيها تابعًا للمعنى ، وليس المعنى تابعًا للفظ .
كما يجب أن تكون كل فقرة من فقرات السجع دالة علي معنى غير معنى الفقرة الأخرى وإلاَّ كان تكرارًا ، وترادفًا للمعنى ، وتطويلاً يبعد بالسجع عن مواطن البلاغة والجمال ، وعن الهدف الذي أريد منه .
وقد كان السجع في الأسلوب القرآني أفضل مثال يحتـذى به ، إذ لم يتعمد القرآن الكريم السجعة من أجل أن يؤثر من خلالها على نفوس البشر ، أو من وراء التعبير عن المعنى المقصود ، بل كانت السجعة في آياته مستقرة في قرارها ، مطمئنة في موضعها ، غير قلقة ولا نافرة ، يتعلق معناها بمعنى الآية الكريمة كلها ، تعلقًا تامًا ، بحيث لو استبدلناها بكلمة أخرى غيرها ، ولو كانت تؤدي نفس السجعة ، أو أبعدناها من مكانها لاختل المعنى تمامًا ، وأصبح مبهمًا . بل كانت روعة السجعة في القرىن الكريم ، وإحكامها ، وتنسيقها معجزة في حد ذاتها . إذ أنك تحسب الألفاظ فيها منقادة للمعنى ، ثم تمعن النظر ،وتقدح الفكر ، فتشعر أن المعنى منقادٌ إلى الألفاظ ، ثم تحسب العكس ، وترجع الكرة مرة أخرى فتصير منه إلى عكس ما ذهبت ، ثم تنتهي بعد ذلك كله إلى عجز ذريع عن معرفة أيهما يكون تابعًا للآخر ، من شدة تمازجهما ، واختلاطهما في موضعهما . فقد بلغت السجعة في القرآن الكريم من البلاغة منتهاها ، زمن الفصاحة أقصاها إلى حد الإعجاز البياني . وتستطيع أن تتبين هذا الإعجاز في جميع آياته ، وكلماته ، فكل كلمة قد وضعت في مكانها ، وكل حرف قد صادف موقعه .

أقرأ مثلاً سورة " الرحمن " ، وسترسل في قراءتها على سجيتك ، وامعن نظرك في جمال عرضها ، وتناسق أفكارها ، وتسلسل معانيها ، ثم أرجع البصر كرتين ، كيف بُـدئت ؟ وكيف ختمت ؟ وكيف تقابلت أوضاعها وتعادلت ؟ وكيف تلاقت أركانها وتعانقت ؟ وكيف ازدوجت مقدماتها بنتائجها ووطأ أولاها لأخراها ؟

ثم تأمل هذا النغم الموسيقي الجميل الذي يسري في جميع آياتها ، الذي أحدثه السجع العالي الرائع : (( الرَّحـمَـن‘ ، عَلَّمَ القُـرءَانَ ، خَـلَقَ الإنـسَانَ ، عَـَّلـمـَه‘ الـبَـيَــانَ)). فقرات قصار ، وصوت ندى ، ونشيد إلهي ، ومعان ربانية ، تأخذ سبيلها إلى القلوب والعقول ، في أسلوب إيقاعي ، تبهرك موسيقاه ، وتستولي على الوجدان أنغامه وألحانه ، فهو السحر الحلال ، الذي جمع بين مزايا النثر والشعر على السواء ، فلا تجد في السورة قيود القافية الموحدة ، أو التفعيلات التامة ، بل تجد موسيقا رائعة ، تتعانق مع حرية التعبير الكاملة ن وجمال التصوير الطريف ، الذي يعرض مظاهر الكون ، وحقائق الوجود . ويسوق القيامة وأهوالها ، والجنة ونعيمها ، والنار وعذابها ، في مشهد حي متحرك ، فإذا الغائب حاضر ، وإذا النفس سائرة مع الآيات تتأمل نغم الرحمن فيخلق الإنسان ، وتسخير الشمس والقمر بحسبان ، ووضع الميزان ، وبعد كل نغمة من النغم يعقب الرحمن بهذه الآية الكريمة (( فَبِـِأَيِّ ءَالآءِ رَبِّكُـما تُـكَـذِّبَانِ ))

فلا يملك الإنسان إلاَّ أن يسجد عقله ، وأن يزداد يقينه ، وأن ينطق قلبه ولسانه قائلا : ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب ..

قضية السجع في القرآن الكريم

تحرج بعض القدماء في استعمال السجع ، بل نفى البعض منهم وجوده في القرآن الكريم نفيا قاطعا ، وسمى هذا الذي يُظَـنُّ أنَّـه سجع فواصل . وكان على رأس هؤلاء : عليبن عيسى الرماني المعتزلي (ت314هـ) ، والقاضي أبو بكر الباقلاني (ت403هـ) ، وجل الأشاعرة ، وكانت حجتهم ـ كما يزعمون ـ أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قد نهى عنه ، واستندوا على ذلك على ما روي من أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) أمر رجلاً بدفع ديَّــة جنين ، وبـيـَّن له مقدار الدِّيـة (7) ، فقال الرجل : يا رسول الله ، أنغرم من لا أكل ، ولا شرب ، ولا صاح ، ولا استهل ، فمثل هذا يُـطَـلُّ؟!

فقال عليه السلام مستنكرًا هذا التقعر في الكلام " أسجع كسجع الجاهلية"؟ وفي روايات أخرى : "أ سجعا كسجع الكهانة ؟! ، ومنها " أ سجاعة بك ؟ " ن ومنها " أسجع كسجع الأعراب ؟ ، ومنها " لسنا من أ ساجيع الجاهلية في شيء " (8) .

فقد كانت في الجاهلية طائفة من العرب تحترف الكهانة ، وتدعي علم الغيب ، وفي سبيل ذلك كانت تتكلف القول ، وتتصنع السجع حين تخبر عن المغيبات ، ويكون لكلامها وقع عند ذوي النفوس الضعيفة فتصدقه ، لما تجده فيه من الغرابة ، لأنه كلام خارج عن مألوفها ، بعيد عما عهدته في استعمالها . وكان سجع هؤلاء الكهان ثقيلا على السمع كريه الوقع على الأذن .ونذكر من أمثلة هذا السجع قول سطيح الكاهن : عبد المسيح ، جاء إلى سطيح ، وهو موفٍ على الضريح ، لرؤيا الـمُوبَذان ، وارتجاسِ الإيوان "

ومن ذلك أيضا ما فعل الكاهن في قصة هند بنت عتبة حين قال لما امتحن قبل السؤال عن قصتها : " ثـمرة فـي كَمِـرَة ". ، فقيل له : نريد أبين من هذا . فقال " حَـبَّـة‘ بُـرٍّ فـي إِحـليل مُـهـر " (9) .
والحجة الثانية في منع السجع في القرآن الكريم ، هي تمسك الذي منعه بقوله تعالـى : : " كِـتَابٌ فُـصِّـلَت ءَايَاتُـه‘ " (10) فقال : قد سماه فواصل ، وليس لنا أن نتجاوز ذلك (11) .وإليك عرض موجز لبعض آراء جل العلماء القدامى في هذه القضية :

* رأي الجاحظ :


السجع عند الجاحظ لون من ألوان التعبير الجميل ، لذا فقد اهتم به كثيرا ، وأفرد له في كتابه " البيان والتبيين " بعض الأبواب ، نوه فيها بأثره في الكلام ، وتأثيره في النفوس ن وأورد نماذج شتى له ن عرض في ثنايا حديثه عنه إلى أمور متصلة به ، وابرز الآراء المختلفة في موقف الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) منه (12) وعلل كراهية الناس للسجع بأنه كان أسلوب الكهانة عند العرب القدماء ولغة وثنيتهم ، يحاولون به تضليل الناس والتأثير عليهم فقال : " وكان الذي كره الأسجاع بعينها ، وإن كانت دون الشعر في التكلف والصنعة أن كهانة العرب الذين كان أكثر الجاهلية يتحاكمون إليهم ، وكانوا يدعون الكهانة ، وأن مع كل واحد منهم رَئـيًّا من الجن ، مثل : حازي جهينة ، وشق , وسطيح .. وأشباههم ، وكانوا يتكهنون ، ويحكمون بالأسجاع ، كقول أحدهم :" والأرض والسماء ، والعقاب الصقعاء ، واقعةٌ ببقعاء لقد نـفَّـر المجد بني الـعُـشَـراء ، للمجد والسناء " فوقع النَّـهى في ذلك الدهر لقرب عهدهم بالجاهلية ، ولبقيتها فيهم ن وفي صدور كثير منهم ، فلما زالت العلة زال التحريم (13) .


*رأي قدامة بن جعفر :
علل قدامة بن جعفر إنكار الرسول (صلى الله عليه وسلم ) لهذا الأسلوب الجاهلي " لأنه ـ أي الرجل ـ أتى بكلامه مسجوعًا كله ، وتكلَّـف فيه السجع تكلف الكهان ، وأما إذا أتـى به في بعض كلامه ومنطقه ، ولم تكن القوافي مختلفة متكلفة ، ولا متمحلة مستكرهة ن وكان ذلك على سجيّـة الإنسان وطبعه ، فهو غير منكر ولا مكروه " (14) .

* رأي علي بن عيسى الروماني:
نفى الروماني وجود السجع في القرآن الكريم ، وفرقبين الفواصل والسجع ، واعتبر السجع والفواصل بلاغة ، فقال في باب الفواصل : " الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني ، والفواصل بلاغة ، والأسجاع عيب " .
ثم علل ذلـك بقـوله : " وذلـك أن الفـواصل تابعـة للمـعـانـي ، وأما الأسجاع فالـمـعـانـي تابـعـة لـها " (15) .

ثم يستطرد الروماني قائـلا : " وفواصل القرآن كلها بلاغة وحكمة ، لأنها طريق إلى إفهام المعاني التي تحتاج إليها في أحسن صورة يدل بها عليها ، وإنما أخذ السجع في الكلام من سجع الحمامة ، وذلك أنه ليس فيه إلا الأصوات المتشاكلة ، كما ليس في سجع الحمامة إلا الأصوات المتشاكلة ، إذ كان المعنى لما تُـكُـلِّف من غير وجه الحاجة إليه ، والفائدة فيه لم يعتد به ، فصار بمنزلة ما ليس فيه إلا الأصوات المتشاكلة " (16) . وهذا الرد مردود عليه ،
على نحو ما سيأتي تباعًا بعد .

* رأي أبي هلال العسكري :
لم ير أبو هلال العسكري رأي الروماني في التفريق بين الفواصل والسجع ، واعتبار السجع عيبًا ، والفواصل بلاغة ، فهو يجيز السجع ، وإن كان يذم سجع الكهان . كما أنه ردّ على قول الروماني : " الفواصل بلاغة والأسجاع عيب " بقوله :" ..وكذلك جميع ما في القرآن مما يجري على التسجيع والازدواج مخالف في تمكين المعنى ، وصفاء اللفظ ، وتضمن الطلاوة والماء ، لما يجري مجراه من كلام الخلق ، ألا ترى قوله عـز اسمـه : " والعَادِيَاتِ ضَبحًا فالـمُورِيَاتِ قَدحاً ، فالـمُغِـيرَاتِ صُبحًا ، فَـأثَرنَ بِهِ نَـقعًا فَـوَسَطنَ بِهِ جَـمعًا "(17)قد بان عن جميع أقسامهم الجارية هذا المجرى من مثل قول الكاهن : " والسماء والأرض ، والقرض والفرض ، والغمر والبرض " (18) .وهو يذم هذا النوع من سجع الكهان لا لأنه قريب عهد بالجاهلية ، وإنما لما فيه من التكلف ،والتعسف ،والتصنع الممقوت . فيقول : ومثل هذا من السجع مذموم ، لما فيه من التكلف، والتعسف ولهذا ما قال النبي (صلى الله علية وسلم) لرجل ، قال له : أندى من لا شرب، ولا أكل ،ولا صاح واستهل ، فمثل ذلك بطل ؟ ! أ سجعأ كسجع الكهان ؟!

لأن التكلف في سجعهم فاشٍ ، ولو كرهه (عليه الصلاة والسلام )لكونه سجعاً لقال : أسجعاً ؟! ثم سكت ، وكيف يذمه ويكرهه وإذا سلم من التكلف ، وبرئ من التعسف لم يكن في جميع صنوف الكلام أحسن منه ، وقد جرى عليه كثير من كلامه عليه السلام ، كأول شيء تكلم به لما قدم المدينة ، وهو قوله : " أيها الناس أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، واصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام " ، فكل هذا يؤذن بفضيلة السجع على شرط البراءة من التكلف والخلو من التعسف " (19).


* رأي القاضي أبي بكر الباقلاني :
يعد الباقلاني من أبرز أعلام المؤلفين في إعجاز القرآن ، كما يعد كتابه " إعجاز القرآن " عمدة الباحثين فيه ، وقد عقد فصله السادس منه عن نفي السجع من القرآن " . وقد شدد النكير على وجود السجع في القرآن الكريم ، وقد يكون دافعه إلى ذلك مناصرة مذهب الأشاعرة ، الذي كان يدين به ، وقد استهل فصله بقوله : " ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن الكريم ، وذكره الشيخ أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه ، وذهب كثير ممن يخالفهم إلى إثبات السجع في القرآن ، وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام ، وأنه من الأجناس التي تقع فيا التفاضل في البيان والفصاحة ، كالتجنيس والالتفات ، وما أشبه ذلك من الوجوه التي تعرف بها الفصاحة ، وأقوى ما يستدلون به عليه : اتفاق الكل على أن موسى أفضل من هارون (عليهما السلام ) ولما كان السجع قيل في موضع :"هارون وموسى " ، ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون ، قيل " موسى وهارون "(20).
ثم قال : " وهذا الذي يزعمون غير صحيح ، ولو كان القرآن سجعا لكان خارج عن أساليب كلامهم ، ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز ، ولو جاز أن يقولوا : هو سجع معجز لجاز أن يقولوا: شعر معجز ، وكيف والسجع مما كان يألفة الكهانة من العرب ، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر ؟ لأن الكهانة تنافي النبوات ، وليس كذلك الشعر ، وقد روي أن النبي (ص) قال للذين جاءوه وكلموه في شأن الجنين : كيف ندي من لا شرب .. فرأى ذلك مذموما لم يصح أن يكون في دلالته " (2) .

ثم استطرد قائلا : " والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم ، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع ، وإن لم يكن سجعا ، لأن ما يكون به الكلام سجعا يختص ببعض الوجوه دون بعض ، لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع ، وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن ، لأن اللفظ يقع فيه تابعا للمعنى ، وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى بالسجع كانت إفادة السجع كإفادة غيره ، ومتى انتظم المعـنى بنفسـه دون السجـع كـان مستجلـبا لتحسـين الكلام دون تصحـيح المعنى " (21) .

ويستمر الباقلانـي في تفنيد حجج معارضيه فيقول : " وأما ما ذكره من تقديم موسى على هارون عليهما السلام في موضع وتأخيره عنه في موضع لمكان السجع ونساوي مقاطع الكلام فليس بصحيح لأن الفائدة عندنا غير ما ذكروه ، وهى أن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدي معنى واحدا مع الأمر بالصعب الذي تظهر به الفصاحة ، وتتبين به البلاغة ، وأعيد كثير من القصص في مواضع مختلفة ، على ترتيبات متفاوتة ، ونبهوا بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله مبتدأ به ومكرَّرًا . ولو كان فيهم تمكنٌ من المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ لهم تؤدي تلك المعني ونحوها ، وجعلوها بإزاء ما جاء به ، وتوصلوا بذلك إلي تكذيبه ، وإلى مساواته فيما [حكى ] وجاء به . وكيف وقد قال لهم " فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين " (23) فعلى هذا يكون المقصد ـ بتقديم بعض الكلمات وتأخيرها ـ إظهار الإعجاز على الطريقين جميعا ، دون السجع الذي توهموه " (23) . إلى أن قال : " فلو أن ما تلي عليهم من القرآن سجع لقالوا : نـحن نعارضه بسجع معتدل ، فنزيد في الفصاحـة علـى طـريقة القـرآن ونتجـاوز حـده في البراعة والحسن " (25) .

هذا مجمل رأي الباقلاني في نفي السجع من القرآن الكريم ، والذي لم يخرج فيه عن رأي سابقه ، علي بن عيسى الرماني ، والذي لم يعترف بالسجـع في القـرآن وأدار كلامـه على الفاصلة في القرآن الكريم .

وقد ردَّ عليهما ابن سناء الخفاجى في كتابه " سر الفصاحة " فقال : " وقال عيسى بن عيسى الرمانى : إن الفواصل بلاغة والسجع عيب ، وعلل ذلك بما ذكرناه من أن السجع تتبعه المعاني ، والفواصل تتبع المعاني ، وهذا غير صحيح ، والذي يجب أن يحرر في ذلك أن يقال : إن الأسجاع حروف مماثلة في مقاطع الفصول علي ما ذكرناه .

والفواصل علي ضربين ، ضرب يكون سجعاً ، هو ما تماثلت حروفه في المقاطع ، وضرب لا يكون سجعاً ، وهو لما تقابلت حروفه في المقاطع ، ولم تتماثل .ولا يخلو كل من هذين القسمين ـ أعني التماثل والتقارب – من أن يكون يأتي طوعاً سهلاً ، وتابعاً للمعاني ، وبالضد من ذلك حتى يكون متكلفاً يتبعه المعنى . فإن كان من القسم الأول ، فهو المحمود الدال على القصاصة وحسن البيان . وإن كان من الثاني ، فهو مذموم مرفوض .

فأما القرآن فلم يرد فيه إلا ما هو من القسم الأول المحمود ، لعلوه في الفصاحة ، وقد وردت فواصل متماثلة ومتقاربة ))

ثم يورد أمثلة لذلك ، فيذكر من أمثلة الفاصلة المتماثلة قولة تعالي : (( والطور وكتاب مسطورٍ ، في رقٍّ منشور ، و البيت المعمور )) (29) .
وقوله تعالى : (( طـه ، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ، إلاَّ تذكرة لمن يخشى، تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى ، الرحمن على العرش استوى )) (27) .
وقوله تعالى : (( والعاديات ضبحا ، فالموريات قدحا ، فالمغيرات صبحا ، فأثرن به نقعا ، فوسطن به جمعا )) (28) .
وقوله تعالى : (( والفجر وليالٍ عشر ، والشفع والوتر ، والليل إذا يسر ، هل في ذلك قسم لذي حجر )) (29) .
وقوله تعالى : (( ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، إرم ذات العماد ، التي لم يخلق مثلها في البلاد ، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ، وفرعون ذي الأوتاد ، الذين طغوا في البلاد ، فأكثروا فيها الفساد )) (30) .
وحذفوا اليـاء مـن " يسـري " و " الـوادي " طلـبا للموافقة في الفواصل .
وقوله تعالى : (( اقتربت الساعة وانشق القمر ، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر )) (31) .
ثم يقول : " وجميع هذه السور على هذا الازدواج ، وهو جائز أن يسمى سجعا لأن فيه معنى السجع ، ولا مانع في الشرع يمنع من ذلك " .
ثم يذكر أمثلة للفواصل المتقاربة في الحروف منها قوله تعالى : (( الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين )) . وقوله تعالى : (( ن ، والقرآن المجيد ، بل عجبوا أن جاءهم منذرٌ منهم فقال الكافرون هذا شيءٌ عجيب)) ( 33) . ثم قال : " وهذا لا يسمى سجعا لأنا قد بينا أن السجع ما كانت حروفه متماثلة " .
ثم يستمر الخفاجي في تفنيد آراء من نفى السجع في القرآن فيقول : " وأما قول الرماني : إن السجع عيب ، والفواصل ـ على الإطلاق ـ بلاغة ، فغلط ، فإنه أراد بالسجع ما يتبع المعنى ، وكأنه غير مقصود ، فذلك بلاغة ، والفواصل مثله ، وإن كان يريد بالسجع ما تقع المعاني تابعة له ، وهو مقصور متكلف ، فذلك عيب ، والفواصل مثله، وكما يعرض التكلف في السجع عند طلب تماثل الحروف كذلك يعرض في الفواصل عند طلب تقارب الحروف " .
ثم يوضح الخفاجي أسباب تسمية ما في القرآن فواصل وليس سجعا فيقول : " وأظن أن الذي دعا أصحابنا إلي تسمية كل ما في القرآن فواصل ، ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعا ، رغبة في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروي عن الكهانة وغيرهم ، وهذا غرض في التسمية قريب .

فأما الحقيقة فما ذكرناه ، لأنه لا فرق بين مشاركة بعض القرآن لغيره من الكلام في كونه مسجوعا ، وبين مشاركة بعض القرآن لغيره من الكلام في كونه مسجوعا ، وبين مشاركة جميعه في كونه عرضا وصوتا وكلاما عربيا ومؤلفا … وهذا مما لا يخفى فيحتاج إلى زيادة في البيان ، ولا فرق بين الفواصل التي تتماثل حروفها في المقاطع ، وبين السجع " . ثم يستطرد قائلا " فإن قال قائل : إذا كان عندكم أن السجع محمود فهلا ورد القرآن كله مسجوعا ، وما الوجه في ورود بعضه غير مسجوع " . قيل : إن القرآن أُنزل بلغة العرب ، وعلى عرفهم ، وعادتهم وكان الفصيح من كلامهم لا يكون مسجوعا ، لما في ذلك من أمارا ت التكلف والاستكراه والتصنع ، لسيما فيما يطول من الكلام ، فلم يرد مسجوعا جريا به على عرفهم في الطبقة العالية من كلمهم ، ولم يخل من السجع ، لأنه يحسن في بعض الكلام على الصفة التي قدمناها ، وعليها ورد فصيح كلامهم ، فلم يجز أن يكون عاليا في الفصاحة وقد أخل فيه شرط من شروطها ، فهذا هو السبب ، فأورد القرآن مسجوعا وغير مسجوع . والله أعلم " (34) .
* رأي ضياء الدين بن الأثير :

أنكر ابن الأثير على من ذم السجع ، فقال : " وقد ذمه بعض أصحابنا من أرباب هذه الصناعة ، ول أرى لذلك وجها سوى عجزهم أن يأتوا به ، وإلا فلو كان مذموما لما ورد في القرآن الكريم ، فإنه قد أتى منه بالكثير ، حتى أنه ليؤتى بالسورة جميعها مسجوعة ، كسورة " الرحمن " ، وسورة " القمر " ،وغيرها،وبالجملـة لـم تـخل منـه سـورة من السـور "(34) .

* رأي ابن قيم الجوزية :
ويعرض ابن قيم الجوزية لهذه القضية ، ويبين وجهة نظره فيها فيقول : " فقد اختلف أرباب علم البيان فيه ، فمنهم من قال :باستحسان السجع ، وفضله على الاسترسال في الكلام ، ورجحه .. ومنهم من كره السجع وأقبحه ، واحتج على ذلك بأمرين :
أحدهما _ اشتماله على الكلفة .

والثاني _ قوله عليه الصلاة والسلام _ أ سجعا كسجع الجاهلية _ وكلا الحجتين فاسد . أما الأولى _ فلأنه لم يخل شيء من الكلام من تكلف ما ..

وأما الثانية _ فلأن الإنكار إنما كان لسجع مخصوص ، وهو ما قصد به إبطال حق ، أو تحقيق باطل ، ولو كان السجع قبيحا لاستحال وروده في القرآن " (36) "
ثم استطرد قائلا : " والسجع وعدمه أسلوبان جرت عليهما ألسنة فصحاء العرب وخطبائهم ، يأتون بذلك من غير تكلف ولا تعسف .. وورد في القرآن العظيم آيات كثيرة خالية من السجع ، وآيات كثيرة مشحونة بالسجع ، حتى أن بعض السور شملها السجع من أولها إلى آخرها مثل اقتربت الساعة ، وسورة الضحى ، والكوثر ، فاعرفه " (37) .

ولكن ما المانع أن يكو ن في القرآن الكريم سجع ؟!
ولكن سجع ليس كسجـع الكهان ، أو غيرهم ؟ إنه سجع معجز في إحكامه ، وتركيبه ، ومبناه ، في انسجام لفظه ، ومعـناه ، سجع لا يضاهى ، ولا يطاول ، ولا يبارى . سجع بعيد كل البعـد عـن سجـع الجاهليين وكهانتها ، سجع بمنأى عن التصنع والتكلف الممقوت ، والتستر وراء الألفاظ دون أن يضع للمعنى اعتبارا . سجع هـو المثـل الأعلـى والنموذج الأمثل للبلاغة . أليس في القرآن مجاز ؟! أليـس في القـرآن طباق ؟! أليس في القرآن جنـاس ؟! وغـير ذلك من ألـوان البديـع والمعاني والبيان ؟!

إن الذين يريدون أن يستبدلوا السجع بالفواصل في القرآن الكريم رغبة في تـنـزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروي عن الكهنة وغيرهم من كلام البشر ، أو تنزيها له من النقد الذي كان يوجه إلى السجع بوجه عام ، منذ عصر الجاحظ وما بعده . هلا استبدلوا غيره من المصطلحات البلاغية الأخرى التي تقع في كلام الكهانة وغيرهم ؟‍

إن هذا لم يحدث . بل إننا نعد وجود السجع في القرآن الكريم إعجاز في حد ذاته ، يضاف إلى معجزاته البيانية الأخرى ، لعدم قدرة بلغاء العرب وفصحائهم على مضاهاته ، أو مجاراته ، والإتيان بمثله، رغم تحديه وتقريعه لهم ، على حين أنه نزل بلغتهم وبأساليبهم ، ليتمكنوا من المعارضة ، إلا أنهم عجزوا ، وهنا تكمن الحجة ، وتتحقق المعجزة ، بل إنه نزل في وقت كانت فيه البلاغة العربية في ذروتها ، وأتى في زمن أشتهر العرب فيه بالبلاغة والفصاحة ، وقدرتهم على التمييز بين كلام من صنع البشر ، وكلام معجز هو من عند رب البشر ن لكنهم عجزوا أمام بلاغته وفصاحته وبيانه ، وهنا تكمن المعجزة ، إذ لو أنه جاء بغير لغتهم وأساليبهم لما كان هناك إعجاز ، إذ لا يصح التحدي بشيء مع جهل المخاطب بالجهة التي وقع بها التحدي ، فلا يكون التحدي تحديا إلا إذا تمكن الخصم من الجهة التي تتحداه بها " فكما لا يصح من أعمى معارضة المبصر في النظر ، لا يحسن من البصر أن يقول : غلبتك أيها الأعمى بنظري ، فإن للأعمى أن يقول : إنما تتم لك الغلبة لو كنتُ قادراً ، وكان نظرك أقوى من نظري ، فأما إذا فُقِدَ أصل النظر فكيف تصح المعارضة !.."(37).

والسجع موجود في كلام العرب ، وفي كلام الكهان ، كما أنه موجود في القرآن الكريم ، والسنة النبوية ، ولكن شتان بين هذا وذاك . شتان بين كلام الخالق وكلام المخلوق. و إن ما ورد منه في القرآن هو في ذروة الفصاحة ،و قنة البلاغة . بل إننا نعد وجوده _ كما ذكرنا _ إعجاز يضاف إلي معجزاته البيانية الأخرى .


أما السجع الممقوت الذي يتبع المعنى فيه اللفظ فهو سجع ردى ء ، لا يقع إلا في كلام ضعفاء المتكلمين ، وكهان الجاهلية ، وأن وقوع هذا اللون المعيب من السجع في كلام هؤلاء لا ينبغي وقوعه في القرآن الكريم ، أو ننزهه منه ، ونعده عيبا على إطلاقه .
وأنه من الخطأ البين _ أيضًا _ أن نُـحكِّمَ قواعد البلاغة في القرآن الكريم ، وننسى أو نتناسى أن القرآن الكريم هو الأساس الذي يجب أن تحاكم إليه قواعد البلاغة ، وأن تجري على سنته ، ووفق أحكامه .

وهذا الخطأ وقع فيه الباقلاني ، ومن نهجوا نهجه في ذم السجع ، ونفيه من القرآن الكريم . كما أن الباقلاني وقع في خطأ آخر فادح ، هو و رفاقه حينما قال : " ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر لأن الكهانة منافيا للنبوات ، وليس كذلك الشعر " . فإنني لا أعتقد أنه لا يعرف أن الشعر ينافي النبوات أيضا ؟ أو أنه يجهل أن القرآن قد نفى الشعر من الرسول (ص) كما نفى عنه الكهانة سواء بسواء ؟‍ ‍‍‍‍ .
ألم ينص القرآن الكريم على ذلك صراحة في قوله تعالى : (( إنه لقول رسول كريم ، وما هو بقول شاعر ، قليلاً ما تؤمنون ، ولا بقول كاهن ، قليلا ما تذكرون ، تنزيل من رب العالمين )) (38) .
ألم ينف القرآن الشعر عن الرسول صراحة نفيا قاطعاً في قوله تعالى :
(( وما علمناه الشعر ، وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيـًّا ويحق القول على الكافرين )) ؟‍ (39) .
إن إنكار الرسول للسجع لم يكن لذات السجع ، وإنما لما فيه من التكلف المذموم ، والجري وراء الألفاظ ، دون الاهتمام بالمعنى ، فهو لم يذم السجع على إطلاقه ، إنه كرهسجع الكهنة لا غير " لأن التكلف في سجعهم فاشٍ ، ولو كرهه عليه الصلاة والسلام لكونه سجعا لقال : أ سجعًا ؟ 1 ثم سكت (40) ولكنه قال " أ سجعًا " كسجع الكهان ؟ " فصار المعنى معلقًا على أمر ، وهو إنكار الفعل لمـا كان على هذا الوجه ، فعلم أنه ذم من السجع ما كان مثل سجع الكهان لا غير ، وإنه لم يذم السجع على الإطلاق " وكيف يذمه ويكرهه ، وإذا سلم من التكلف وبرئ من التعسف لم يكن في جميع صنوف الكلام أحسن منه ، وقد جرى عليه كثيرٌ من كلامه عليه السلام ، كأول شيء تكلم به لما قدم المدينة ، وهو قوله : " أيها الناس أفشوا السلام … فكل هذا يؤذن بفضيلة السجع على شرط البراءة من التكلف والخلو من التعسف " (41) .
ومن ذلك أيضا ما رواه ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال ، قال رسول الله (ص) : " استحوا من الله حق الحياة ، قلنا : إنا لنستحي من الله يا رسول الله ، قال ليس ذلك ، لكن الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى ، والبطن وما حوى ، وتذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا " .

بل ربما غير الرسول (ص) اللفظة عن وجهها مراعاة للسجعة ، كقوله لابن ابنته : " أعيذه من الهامة والسامة ، وكل عين لامة " وإنما أراد ( مثـلِـمَّة ) لن الأصل فيها من ( ألـمَّ ) فهو (ملمّ) .
وكذلك قوله (ص) : " أرجعن مأزورات غير مأجورات " وإنما أراد موزورات من الوزر ، فقال ( مأزورات ) لمكان ( مأجورات ) قصدا للتوازن وصحة التسجيع . وهذا يدلك على فضيلة السجع (43) .
وقد ورد السجع فى القرآن الكريم في كثير من الآيات ، حتى أن منها ما جاءت مسجوعة كلها كسورة الرحمن ، والقمر ، والضحى ، والكوثر ، وغيرها .
ولم يأت القرآن كله في أسلوب واحد في السجع "لأنه لا يحسن في الكلام جميعه أن يكون مستمرا على نمط واحد ، لما فيه من التكلف ، ولما في الطبع من الملل ، ولأن الافتتان في ضرب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد ، فلهذا وردت بعض آي القرآن متماثلة المقاطع وبعضها غير متماثلة " (44) .
وقد بلغ السجع في القرآن الكريم من الحسن منتهاه ، ومن البلاغة والفصاحة أعلاها. أستمع مثلا إلى قوله تعالى : (( ألكم الذَّكَرُ ولهُ للأنثى تلك إذن قسمة ضِيزى )) (45)
فنجد السجعة هنا في غاية الروعة والجمال الفني والبلاغي ، بين كلمتي " الأنثى " و " ضيزى " . فلم تأت كلمة " ضيزى " لمجرد السجع فقط ، وإنما طلبها واستدعاها ، ولا يمكن أن تحل كلمة أخرى مكانها في هذا السياق .
فإن كلم’ " ضيزى " وهي من أغرب ما جاء في ألفاظ القرآن ، وما حسنت قط إلاَّ في موقعها منه ، ومعناها : ناقصة ، أو جائرة . " ومع ذلك فإن حسنها في نظم الكلام من أغرب الحسن ، وأعجبه . ولو أدرت اللغة عليها ما صلح لهذا الموضع غيرها ، فإن السورة التى منها هى سورة النجم ، مفصلة كلها على الياء ، فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل ، ثم هي في معرض الإنكار على العرب ، إذ وردت فى ذكر الأصنام وزعمهم في قسمة الأولاد ، فإنهم جعلوا الملائكة والأصنام بنات الله مع أولادهم البنات فقال تعالى : (( ألكم الذكر وله الأنثى ؟ تلك إذن قسمة ضيزى )) فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها ، وكانت الجملة كلها كأنها تصور في هيئة النطق بها الإنكار في الأولى ، والتهكم في الأخرى ؛ وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة ، وخاصة في اللفظة الغريبة التي تمكنت في موضعها من الفصل ، ووصفت حالة المتهكم في إنكاره من إمالة اليد و الرأس بهذين المدَّين فيها إلى الأسفل والأعلى ، وجمعت إلى كل ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية (46) . " والمتتبع للسجع في القرآن الكريم يجده قد اتخذ وسائل قد تخالف الأصل والقياس في اللغة ، وذلك رعاية للفاصلة من حيث الإيقاع الصوتي أولاً ، ثم لما تحدثه هذه الصورة الصوتية من إيحاءات نفسية عميقة ، فتكون بهذا قد أحدثت أثرها المطلوب " (47) .
وقد ذكر الإمام جلال الدين السيوطي في " إتقانه " أنه " ألف الشيخ شمس الدين بن الصائغ الحنفي كتاباً سماه " أحكام الراي في أحكام الآي " قال فيه اعلم أن المناسبة أمر مطلوب في اللغة العربية ، يرتكب لها أمور من مخالفة الأصول ، قال : وقد تتبعت الأحكام التي وقعت في آخر الآي مراعاة للمناسبة ، فعثرت منها على نيف عن الأربعين حكماً(48) .
ثم استطرد في ذكر هذه الأحكام الواحد تلو الآخر ، وموضحا أمثلتها في كتاب الله ، وكيف عدل في بعض التعبيرات عن الصورة القياسية للكلمة إلى صورة أخرى ، وكيف بني النسق على نحو يختلُّ إذا قُدِّم أو أخر فيه ، أو عدّل في النظم أي تعديل .
وكان من الأمثلة التي ذكرها قوله تعالى : (( تلك إذن قسمة ضيزى " حيث آثر القرآن الكريم هنا استعمال الغريب من الألفاظ ، معدل عن كلمة " جائرة " أو " ناقصة " إلى ما هو أغرب ، وذلك مراعاة للفاصلة .
ومن ذلك ـ أيضا ـ زيادة هاء السكت على ياء الكلمة ، أو ياء المتكلم ، كما في قوله تعالى : (( فأما مَن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية ، وما أدراك ما هِية ، نار حامية )) (49) .
وقد يكون نقصان حرف من الكلمة مراعاة للفاصلة كما في قوله تعالى : (( والفجر ، وليالٍ عشرٍ ، والشفع والوتر ، والليل إذا يسـر ، هل في ذلك قسم لذي حجر ))(50) . فياء " يسر " حذفت قصدا للانسجام مع " الفجر " و " عشر " و " الوتر " و " حجر " وقد يخطف الحرف خطفا ، كما ورد في سورة الشعراء من قول سيدنا إبراهيم يخاطب قومه ، وينكر عليهم عبادة الأصنام مع الله ( عز وجل): (( .. أ فرأيتم ما كنتم تعبدون ، أنتم وآباؤكم الأقدمون ، فإنهم عدوٌ لي إلا رب العالمين ، الذي خلقني فهو يهدين ، والذي هو يطعمن ويسقين ، وإذا مرضت فهو يشفين ، والذي يميتني ثم يحيين ، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين )) (51) .
فقد خطفت ياء المتكلم في " يهدين " و " يسقين " و " يحيين " محافظة ؛ على حرف القافية مع " تعبدون " و " الأقدمون " .
كما أورد ـ أيضا ـ بدر الدين الزركشي في " برهانه " شيئا من هذا القبيل في اثنى عشر موضعا (53)، نذكر منها قوله تعالى : (( فأوجس في نفسه خيفة موسى )) (54) .
لأن أصل الكلام أن يتصل الفعل بفاعله ، ويؤخَّرَ المفعول ، ولكن أخر الفاعل ، وهو " موسى" لأجل رعاية الفاصلة ؛ قلت : للتأخير حكمة أخرى ، وهي أن النفس تتشوق لفاعل " أوجس " فإذا جاء بعد أن أخر وقع بموقع .
ومثله قوله تعالى : (( ولقد جاء آل فرعون النذر )) فأخر الفاعل لأجل الفاصلة أي السجعة . وأخذ الزركشي يعدد المواضع الأخرى التي جاءت مراعاة للفاصلة ، إقرار ما أن يجمـع ، أو جمع ما أصله أن يفرد ، أو تثنية ما أصله أن يفرد ، أو تأنيث ما أصله أن يذكر ، أو صرف ما أصله ألا ينصرف ..إلخ (55) .
وبعد .. فإن كراهية الرسول للسجع ليست ظاهرة عامة ، ولم يذم (ص) السجع على إطلاقه ، وإنما وقعت الكراهية إثر حادثة معينة أسيء فهمها ، ذلك أن السجع الجميل من علامات رقة الأسلوب ونصاعته ، ورونقه وجزالتـه ، وقد سرى ذلك كله في القرآن الكريم ، والأمثلة من الوفرة بمكان _ كما شاع في أسلوب الرسول (ص) وكثر في كلامه فكان " عذب الإيقاع ، كريم المعنى ، ترتاح إليه النفوس ، وتقر برقته الأسماع ، وتنشرح لمضامينه الصدور .. لا يدانيه قول إنسان ، ولا يرقى إلى مستواه حديث بشر )) (56) .




hgs[u td hgrvNk hg;vdl



 
 توقيع : الشيهانه



رد مع اقتباس
قديم 05-10-2013, 04:04 PM   #2
الشيهانه
الأعضاء الإداريين
استغفر الله


الصورة الرمزية الشيهانه
الشيهانه غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 34
 تاريخ التسجيل :  Apr 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (01:33 AM)
 المشاركات : 3,259 [ + ]
 التقييم :  224
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
سبحآن الله وبحمدهـ ..
|| أجمل منتدى سعادة القلوب ||
لوني المفضل : Plum
افتراضي رد: السجع في القرآن الكريم



أقسام السجع

اختلف العلماء في تقسيم السجع ، وأنواعه ، كما اختلفوا في وقوعه أو عدم وجوده في القرآن الكريم ، فقال قوم منهم "هو على ثلاثة أقسام هي : المتوازي ، و المتطرف ، و المستحسن " (57) .
وقسمـه آخـرون علـى أربـعـة أقسـام هـي : الـمطَّرف ، والـموازي ، والمـشطر ، والـمرصع (58)
وفريـق ثالـث قسمـه إلى خمسة أقسام هي : " مطرف ، ومتوازي ، ومرصع ، ومتوازي ، مـماثل " (59) .
وقسمه بعضهم من حيث الطول والقصر إلى : " قصير موجز ، ومتوسط معجز ، وطويل مفصح مبين للمعنى مبرز " (60) .
وسوف نعرض لهذه التقسيمات على ضوء ما ورد منها في القرآن الكريم .

أولا - تقسيمات السجع وفقا لأنواعه
1_ السجع المتوازي أو الموازي :



وهو " رعاية الكلمتين الأخيرتين في الوزن والرويّ " (61) . أو بعبارة أخرى " هو أن تتفق اللفظة الأخيرة من القرينة (أي الفقرة ) مع نظيرتها في الوزن والرويّ " (62) . أي حروف السجع ، وهـو أشرف أنـواع السجع (63) . ومثـال ذلـك ما وقـع منه في القرآن قوله تعالى ، يبين ما أعده الله للمؤمنين المتقين ، من نعيم في الجنة ، فقال في محكم كتابه : (( فيها سُرُرٌ مرفوعةٌ ، وأَكوابٌ مَّوضُوعَةٌ))(64) .
والسرر المرفوعة : أي العالية الناعمة ، كثيرة الفرش ، مرتفعة السمك عليها الحور العين ، قالوا فإذا أراد ولـيّ الله أن يجلس على تلك السرر العالية تواضعت . وأكواب موضونة : يعني أواني الشراب معدة مرصدة لمن أرادوها من أربابها .
فكلمة ( مرفوعة ) تقابل لفظة ( موضوعة ) وزناً وروياً ، وكلاهما وقع في نهاية الفقرة .
ومنه أيضا قوله تعالى يخبر عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى (عليهما السلام ):
(( ويـعلمه الكتـاب والحكمـة والتـوراة والإنجيل ، ورسولاً إلى بني إسـرائـيــل )) (65) .
والمراد بالكتاب : الكتابة . والحكمة : هي معرفة الحقيقة في كل شيء ، ووضع الأشياء في محلها ، مع مراعاة الصحة في الحكم . فتحري الحقائق العلمية والفقه في الدين لمـعرفة مراد الله من أحكامه، هي الحكمة البالغة " من يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا " فهي أمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله . والتوراة : الكتاب الذي أنزله الله على موسى (عليه السلام ) . والإنجيل : الكتاب الذي أنزله على عيسى (عليه السلام ) وقد كان عيسى يحفظ هذا وهذا .
ومن ذلك في الأسلوب النبوي قول الحبيب محمد (ص) :
(( اللهم أعط منفقاً خلفا ، وأعط ممسكًا تلفا )) .

2_ السجع المتطرف أو " المـطرَّف "
وهو " أن تتفق الكلمتان الأخيرتان في الحرف الأخير ( أي حروف السجع ) دون الوزن " (66) .
ومثاله ما ورد في الأسلوب القرآني قوله تعالى :
(( والنَّجم إذا هوى ، ما ضلََّ صاحبكم وما غوى ، وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلاَّ وحي يوحى )) (67) .
يقسم الله سبحانه وتعالى بالنجم إذا رمى الشياطين ، على أن الرسول (ص) في غاية الاستقامة ، والاعتدال ، والسداد ، وأنه تابع للحق ، ليس بضالٍ ، والضال : هو الجاهل الذي يمشي على غير هدى ولا علم . والغاوي : هو العالم بالحق ، العادل عنه إلى غيره قصدًا . ولهذا قال تعالى عن : ( وما ينطق عن الهوى ) أي ما يقول قولا عن غرض وهوى ، إنما يقول ما أمر به ، ويبلغه للناس كاملا من غير زيادة ولا نقصان . كما روى أحمد بن حنبل ( رحمه لله تعالى ) عن عبد الله بن عمر ( رضي اله عنهما ) قال: 263 [ كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله (ص) أريد حفظه فنهتني قريش ، فقالوا : إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله (ص) ، ورسول الله (ص) بشر يتكلم في الغضب ، فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك لرسول الله (ص) فقال : " أكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج مني إلاَّ الحق " رواه داو .(68)
ويقول ابن حجة الحموى عن هذا النوع من السجع : " وعلى منواله نسج نظم البديعيات " . ويعرفه بقوله " هو أن يأتي المتكلم في أجزاء كلامه ، أو في بعضها بأسجاع غير متزنة بزنة عروضية ، ولا محصورة في عدد معين ، بشرط أن يكون روي الأسجاع روي القافية ، كقوله تعالى على لسان سيدنا نوح ( عليه السلام ) يخاطب قومه (( مالكم لا ترجون لله وقارًا وقد خلقكم أطوارًا )) (69) .
أي ما لكم لا ترجون لله عظمة ولا تخافون نقمة ، (وقد خلقكم أطوارا ) أي تطور بكم في خلقكم من نطفة إلى علقة، إلى مضغة .

3_ السجع المرصَّـع :

هو أن تقابل كل لفظة من فقرات النثر أو صدر البيت بلفظة على وزنها ورويها .
ونذكر من أمثلته في الأسلوب قوله تعالى ، في إثابة المؤمنين ، وعذاب الكافرين :
(( إن الأبرار لفي نعيم ، وإن الفجار لفي جحيم )) (70).
فإن كل لفظة في الفقرة الأولى من الآية الكريمة تقابل لفظة أخرى في الفقرة الثانية في وزنها ورويها . فـ (الأبرار ) تقابل ( الفجار)..إلخ.
* ومثله أيضا قوله تعالى (( إن إلينا إيابهم ، ثم إن علينا حسابهم )) (71) .
أي أنه إلينا مرجعهم و منقلبهم ، ثم نحاسبهم على أعمالهم ، ونجازيهم بها إن خيرًا فخير ، وإن شرًا فشر .
- فقد قابلت كل لفظة في الآية الكريمة في الفقرة الأولى ، لفظة أخرى في الفقرة الثانية ، على وزنها ورويها .
4_ السجع المشطر :


ويسمى - أيضا - المشطور ،والتشطير . وهو خاص بالشعر ، وهو أن يكون لكل شطر من البيت قافيتان متغايرتان لقافية الشطر الثاني .
كقول أبي تمام :
تدبـير معـتصم بالله منـتـقم
لله مرتقب ، في الله مرتغب (72)
*أما المماثل أو المتوازى أو المتقارب في الحروف هو : أن يراعى في مقاطع الكلام الوزن فقط دون التقفية كما في قوله تعالى :
(( الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ))
وقوله تعالى يذكر ما أنعم به على موسى وهارون من النبوة والنجاة بمن آمن معهما من قهر فرعون وقومه ، وإنزاله التوراة على موسى ، وهي الكتاب المستبين فقال عز وجل :
(( وآتيناهما الكتاب المستبين ، وهديناهما الصراط المستقيم )) ( 73).
أي في الأقوال والأفعال .
فلفظة ( الكتاب ) و ( الصراط ) متـوازيتان ،ولفظـة ( المستبيـن ) و ( المستقيم ) متوازيتان .
وهذا لا يسمى سجعا قطعا ، لأن السجع ما تماثلت حروفه . وقد سقط هذا الشرط منه ، وإنما هو فاصلة موزونة . فقد أخطأ من سمى هذا اللون سجعا .

تقسيم السجع من حيث الطول والقصر

1ـ السجع القصير الموجز :وهو ما تكون فيه كل فقرة مسجوعة مؤلفة من ألفاظ قليلة و " إنَّ أقصر الفقرات القصار فى السجع ما يكون من لفظتين " (74)
وهذا الضرب أوعر السجع مذهبا وأبعده متناولا ، ولا يكاد استعماله يقع إلاَّ نادرا ، لأن المعنى إذا صيغ بألفاظ قصيرة عز تحقيق السجع فيه لقصر تلك الألفاظ ، وضيق المجال في استجلابه(75) .
ويرى ابن حجة الحموي " أن أقصر الفقرات يدل على قوة المنشئ ، وأقل ما يكون من كلمتين " كقوله تعالى مخاطبا حبيبه محمدا 0ص9 بأن يلقي ما عليه من دثار ، وينهض لينذر الناس ، ويعظم الله ويكبره ، وأن يطهر قلبه من الذنوب والمعاصي ، وثيابه من النجاسات الظاهرية بالماء ، فقد كان المشركون لا يتطهرون ، فأمره الله أن يتطهر ،وأن يطهر ثيابه ، فقال سبحانه وتعالى :
(( يا أيها المدثر ، قم فأنذر ، وربك فكبر ، وثيابك فطهر)) ( 76) .
وأمثال ذلك كثير في القرآن الكريم ، لكن الزائد على ذلك هو الأكثر"(77)
ومن ذلك - أيضا – قوله تعالى :
(( والمرسلات عرفا ، فالعاصفات عصفا ))
وقوله أيضا يقسم بالشمس ونهارها والقمر إذا تبعها :
(( والشمس وضحاها ، والقمر إذا تلاها ))
وأطول الفقرات القصار ما يكون من عشر لفظات وما بين هذين متوسط . كقوله تعالى ، يقسم بالنجم :
(( والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى ، وما ينطق عن الهوى إن هو إلاَّ وحي يوحى )) .
وقوله تعالى :
((اقتربت الساعة وانشق القمر ، وإن يروا آية يُعرضوا ويقولوا سحر مستمر ، وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكلُّ أمر مستقرٌّ )) (78).
2- السجع الطويل المفصح : وهو ما تطول الألفاظ فيه ، وتتفاوت درجاته فى الطول ، وأقصر الطوال ما يكون من أحد عشر لفظة ، وأطولها غير مضبوط .
وكلما طالت الفقرة زاد بيانها ، وإفصاحها ، وقد وقع في الفقر المطولة ما هو من عشرين لفظة فما حولها )) (79) . كقوله تعالى :
(( إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهمُ كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ، ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور )) (80) .
- فالفاصلة الأولى : عشرون حتى قوله ( الصدور ) .
- والفاصلة الثانية : تسع عشره لفظة حتى قوله ( الأمور ) .
ومثال ما دون ذلك من الطول ، قوله تعالى، ممتنًّا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم ، ومن جنسهم ، وعلى لغتهم :
(( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم فإن تولوا فقل حسبيَ الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم )) (81) .
والمعنى : أي جاءكم رسول منكم وبلغتكم ، تعرفون نسبه وصفته ومدخله ، ومخرجه ، وصدقه ، وأمانته ، يعز علية الشيء الذي يعنت ويتعب أمته ، ويشق عليها ، وحريص على هدايتكم ، ووصول النفع إليكم دنيا وأخرى . وهو رحيم رؤوف بكم .ثم يقول لحبيبه : فإن تولوا عما جئتهم به من الشريعة العظيمة الكاملة ،/ فقل حسبي الله لا إله إلا هو الكافي عليه توكلت وهو مالك كل شيء ، وخالقه ، لأنه ربُّ العرش العظيم ، وهو سقف المخلوقات ، وجميع الخلائق من السماوات والأرضين ، وما فيهما ،وما بينهما تحت العرش مقهورون بقدرة الله تعالى ، وعلمه محيط بكل شيء ، وقدرته نافذة في كل شيء ، وهو على كل شيء وكيل .
- فالفاصلة الأولى : ثلاث عشر لفظة حتى قوله ( رحيم ) .
- والفاصلة الثانية : خمس عشرة لفظة حتى قوله ( العظيم ) .
ومن ذلك أيضا قوله تعالى :
(( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضر مسته ليقولنَّ ذهب السيئات عني ، وإنه لفرح فخور ))(82)
والمعنى : يخبر الله تعالى عن صفات الإنسان الذميمة إلا من رحم الله من عباده المؤمنين أنه إذا أصابته شدة بعد نعمة قنط من الخير بالنسبة إلى المستقبل ، وجحد ماضي النعمة كأنه لم ير خيرا ، وهكذا إن أصابته نعمة بعد نقمة ( ليقولن ذهب السيئات عني ) أي لا أضام أبدا ، إنه لبطر فخور على غيره (83) .
أقسام السجع
من حيث التساوي في الفقرات
الفقرات المسجوعة إما أن تكون متساوية ، أو لا تكون كذلك .

الفقرة المتساوية : وهي توجد في الأكثر في الفقرات القصار . كما في قوله تعالى :
(( فأما اليتيم فلا تقهر ، وأما السائل فلا تنهر )) (84) .
والمعنى : أي لا تقهر اليتيم فتغلبه على ماله ، وحقه لضعفه ، ولا تنهر السائل وتزجره . وقيل ليـس المقصود بالسائل هنا المـستجدي ، ولكـن المقصـود به طالب العلم إذا جاءك فلا تنهره .
* وكما في قوله تعالى ، مبينا منازل أصحاب اليمين يوم القيامة :
((في سدر مخضوض ، وطلح منضوض ، وظل ممدود )) (85) .


السدر : شجر النبق . والمخضوض : الذي لا شوك له كأنما خضد شوكه . والطلح : شجر الموز ، وقيل هو شجر أم غيلان ، وله نوار كثير طيب الرائحة . والمنضوض : الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه ، فليست له ساق بارزة . وظل ممدود : ممتد منبسط لا يتقلص ،كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس .
  • · ومثله أيضا قوله تعالى ، يقسم بخيل الغزاة تعدو ، فتصبح :
(( والعاديات ضبحا ، فالموريات قدحا ، فالمغيرات صبحا)) (86) .

الضبح : صوت أنفاس الخيل إذا عدون . الموريات : تورى نار الحباحب وهي ما ينقدح من حوافرها . وقدحا : أي قادحا صاكات بحوافرها الحجارة ، والقدح : الصك . فالمغيرات : تغير على العدو صبحا في وقت الصباح .

* أما الفقرة المختلفة : فإن الاختلاف قد يكون بين فقرتين ، أو أكثر.

1ـ المختلفة بين فقرتين : فالأفضل أن تكون الفقرة الثانيةازيد من الأولى ، ولا تزيد بقدر كبير " لئلا يبعد عن السامع وجود القافية [ السجع ] فتذهب اللذة " (87) ومثال ذلك فى الأسلوب القرآني قوله تعالى ، مبينا ما أعده للكافرين المكذبين بالبعث من عذاب :
(( بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا ، إذ رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا ، وإذا ألقوا منها مكانا مقرنين دعوا هنالك ثبورا )) (88) .
والمعنى : أي أرصدنا للكافرين الذين كذبوا بالبعث عذاب الحريق ، إذا رأتهم جهنم من مقام المحشر ، سمعوا لها تغيظا وزفيرا حنقا عليهم ، وقد سئل الحبيب محمد (ص) عن معنى قوله تعالى " وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين " قال : " والذي نفسي بيده أنهم ليُستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط " ومقرنين : أي مكتفين . وقوله تعالى " دعوا هنالك ثبورا " أي بالويل والحسرة والخيبة . والثبور : الهلاك والويل والخسار والدمار .
- فالفقرة الأولى تتكـون مـن خـمـس ألفاظ . وكل من الثانيـة ، والثالثــة تتكون من تسع ألفاظ .
* ومن ذلك - أيضا – قوله تعالى ينكر على من زعم أن له ولدًا ، تعالى وتنزه عن ذلك ، فقال سبحانه وتعالى علوا كبيرا :
(( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ، لقد جئتم شيئا إدَّا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدَّا))(89).
والمعنى : أنكر الله تعالى على من زعم أن له ولدا ، وتعالى وتقدس وتنزه عن ذلك ، فقال لهم لقد جئتم في قولكم هذا شيئا (إدًّا) أي عظيما ،" تكاد السماوات تتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا " أي غضبا لله عز وجل ، عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم ، إعظاما للرب وإجلالاً ، لأنهن من مخلوقات ومؤسسات على توحيده ، وأنه لا إله إلا هو ، وأنه لا شريك له ، ولا نظير له ، ولا ولد له ، ولا صاحبة له ، ولا كفء له ، بل هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، وقال ابن عباس : إن الشرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال ، وجميع الخلائق إلاَّ الثقلين ، وكادت أن تزول منه لعظمة الله . وقال حبيبنا الأعظم محمد (ص) " لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله ، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة " فقالوا يا رسول الله فمن قالها في صحته ؟ قال : تلك أوجب . ثم قال " والذي نفسي بيده لو جيء بالسماوات والأرضين وما فيهن وما بينهن وما تحتهن ، فوضعوه في كفة الميزان ، ووضعت شهادة لا إله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن " هكذا رواه جرير ، والله أعلم (90) .

2- المختلِفُ في أكثر من فقرتين :
وأحسنه أن تكون الفقرة الثالثة زائدة ، والأوليتان متساويتان ، أو الثانية منه أزيد يسيرا . وأقل السجع حسنا ما يكون المتأخر من الفقرات أقل مما
قبلها (91) .ونذكر من ذلك ما طالت به الفقرة الثالثة في الأسلوب القرآني قوله تعالى :
(( خذوه فغلوه ، ثم الجحيم صلّوه ، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه )) (92) .
ولا يجمل أن تكون الفقرة الأولى أطول من الثانية ، فتصبح الثانية كالشيء المبتور . يقول ابن حجة الحموي : " أما الفقر المختلفة ، فالأحسن أن تكون الثانية أزيد من الأولى بقدر غير كثير ، لئلا يبعد على السامع وجود القافية فتذهب اللذة ، وإن زادت القرائن على اثنتين ، فلا يضير تساوي القرينتين الأوليين ، وإن زادت الثانية على الأولى يسيرا ، والثالثة على الثانية فلا بأس . ول يكون أكثر من المثل ، ولا بد من الزيادة فى آخر القرائن " (93)



 
 توقيع : الشيهانه



رد مع اقتباس
قديم 05-10-2013, 04:05 PM   #3
الشيهانه
الأعضاء الإداريين
استغفر الله


الصورة الرمزية الشيهانه
الشيهانه غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 34
 تاريخ التسجيل :  Apr 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (01:33 AM)
 المشاركات : 3,259 [ + ]
 التقييم :  224
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
سبحآن الله وبحمدهـ ..
|| أجمل منتدى سعادة القلوب ||
لوني المفضل : Plum
افتراضي رد: السجع في القرآن الكريم



بناء السجع
يقول علماء البلاغة الأسجاع موضوعة على أن يكون ساكنة الأعجاز ، موقوفًا عليها . لأن الغرض أن يجانس المنشئ بين القرائن ، ويزاوج بينها ، ولا يتم ذلك إلا بالوقوف . إذ لو ظهر الإعراب لفات ذلك الغرض ، وضاق ذلك المجال على قاصده ، ألا ترى أنهم لو بينوا الإعراب بمثل قولك : " ما أبعد ما فات ، وما أقرب ما هو آتٍ " للزم أن تكون التاء الأولى مفتوحة ، والثانية مكسورة منونة فيفوت غرض الاتفاق . (94)

من ذلك أن السجع مبني على التغيير ، فيجوز أن تغير لفظة الفاصلة لتوافق أختها ، فيجوز فيها حالة الازدواج ما لا يجوز فيها حلة الانفراط . فمن ذلك :
الإمالة ؛ فقد يكون في الفواصل ما هو من ذوات الياء ، وما هو من ذوات الواو ، فتمال التي هي من ذوات الواو ، وتكتب بالياء حملا على ما هو من ذوات الياء ، لأجل الموافقة نحو قوله تعالى ، يقسم بالضحى وما جعل فيه من الضياء : ((والضحى والليل إذا سجى )) (95)
أميلت والضحى ، وكتبت بالياء حملاً على ما هو من ذوات الياء ، لأجل الموافقة . وكـذلك قوله تعـالى يقسم بالشمس ونهارها : (( والشمس وضحاها ))(96 ) .أميلت فيها ذوات الواو ، وكتبـت باليـاء حمـلا على ما هي مـن ذوات اليـاء .
ومن ذلك أيضا حذف المفعول نحو قوله تعالى لرسوله (ص) :
((ما ودعك ربك وما قلى )) (96) .
والأصل " وما قلاك " حذفت الكاف لتوافق الفواصل .
ومن ذلك صرف ما لا ينصرف ، كقوله تعالى : (( وأكواب كانت قواريرَا ، قواريرَا من فضة قدَّروها تقديـرًا ))(97)
صرفه بعض القراء السبعة ليوافق بعض فواصل السورة الكريمة .
ولو تتبع المتأمل ذلك في الكتاب العزيز لوجده كثيرا (98) . وكذلك في الحديث الشريف على نحو ما مر بنا سابقا ، ومن ذلك -أيضا - قول الحبيب محمد (ص) :
" دعوا الحبشة وما ودعوكم ، واتركوا الترك ما تركوكم " .
الأصل : ما وادعوكم ، ولكن حذف الألف ليحصل الاتفاق مع " تركوكـم "(99)



دكتور أحمد عبد المجيد محمد خليفة
الأستاذ المشارك بالكلية الجامعية بمكة المكرمة ـ جامعة أم القرى


 
 توقيع : الشيهانه



رد مع اقتباس
قديم 05-11-2013, 05:24 AM   #4
أنور علي
عضو متألق


الصورة الرمزية أنور علي
أنور علي غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 150
 تاريخ التسجيل :  Jun 2010
 أخر زيارة : 02-19-2014 (06:23 AM)
 المشاركات : 2,212 [ + ]
 التقييم :  31
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
سبحآن الله وبحمدهـ ..
|| أجمل منتدى سعادة القلوب ||
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: السجع في القرآن الكريم



اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
==============
جعلها الله في ميزان حسناتك
الله يعطيك العافيه
بارك الله فيك
تسلم يدينك
جزاك الله خير وجعل الخير دربك وممشاك
وجزاك الله الجنه
اسعدك الله في الدارين
حفظك الله من كل مكروه
وانار الرحمن دربك بالايمان


 
 توقيع : أنور علي



رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

جديد منتدى الذكـر الحكيـم◦◦



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الإعجاز التشريعي في أطول آية في القرآن بسمة امل الذكـر الحكيـم◦◦ 7 02-05-2013 07:09 PM
ملف شامـل للقــرآن الكريـم بسمةجدة الذكـر الحكيـم◦◦ 2 10-13-2012 06:56 AM
مفــاتيح تدبر القــرآن الكريم بسمةجدة الذكـر الحكيـم◦◦ 3 05-10-2012 05:41 PM
الان حمل القرآن الكريم كااااملاً المستشار الذكـر الحكيـم◦◦ 1 10-20-2011 06:11 AM

إظهار / إخفاء الإعلانات 
منتدى سعادة القلوب منتديات دعاة الحرمين منتديات ابو القعقاع منتديات بنات المدينة
منتدى واحة الإسلام مساحة إعلانيه

Valid XHTML 1.0 Transitional

منتدى سعادة القلوب - قلوب تبحث عن السعادة

↑ Grab this Headline Animator

hitstatus sitemap


الوقت المعتمد في المنتدى بتوقيت جرينتش +3.
الوقت الان » 04:04 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الادارة ولا نتحمل أي مسؤولية أو شرعية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)

Security team


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142